أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

176

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هنا أحد من بني بكر ؟ فقال رجل : نعم ، قال : ما الحرجة فيكم ؟ قال : الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه . فقال ابن عباس : فهكذا قلب الكافر . هذه هي رواية عبيد بن عمير . وقد حكى أبو الصلت الثقفي هذه الحكاية بأطول من هذا عن عمر بن الخطاب ، فقال : « قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ، فقال : أبغوني رجلا من بني كنانة واجعلوه راعيا ، فأتوه به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم ؟ قال : الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار ، فلا تصل إليها راعية ولا وحشية ، فقال عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . وبعضهم يحكي هذه الحكاية عن عمر « رضي اللّه عنه » كالمنتصر لمن قرأ بالكسر ، قال : قرأها بعض أصحاب عمر له بالكسر ، فقال : أبغوني رجلا من كنانة راعيا ، وليكن من بني مدلج ، فأتوه به ، فقال : يا فتى ما الحرجة تكون عندكم ؟ فقال : شجرة تكون بين الأشجار ، لا تصل إليها راعية ولا وحشية ، فقال : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير » . قال الشيخ « 1 » : وهذا تنبيه - واللّه أعلم - على اشتقاق الفعل من اسم العين ، كاستنوق الجمل ، واستحجر . قلت : ليس هذا من باب استنوق واستحجر في شيء ، لأن هذا معنى مستقل ومادة مستقلة متصرفة ، نحو : حرج يحرج ، فهو حرج وحارج ، بخلاف تيك الألفاظ ، فإنّ معناها يضطر فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة ، فإنّ معنى قولك : استنوق الجمل ، أي : صار كالناقة ، واستحجر الطين ، أي : صار كالحجر ، وليس لنا مادة متصرفة إلى صيغ الأفعال من لفظ الحجر والنّاقة . وأنت إذا قلت : حرج صدره ، ليس بك ضرورة ، أن تقول : صار كالحرجة ، بل معناه : تزايد ضيقه . وأما تشبيه عمر بن الخطاب فلإبرازه المعاني في قوالب الأعيان مبالغة في البيان . وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم : « حرجا » بكسر الراء ، والباقون بفتحها ، وقد عرفا . فأما على قراءة الفتح فإن كان مصدرا جاءت فيه الأوجه الثلاثة المتقدمة في نظائره . وإن جعل صفة فلا تأويل . ونصبه على القراءتين إمّا على كونه نعتا ل « ضَيِّقاً » ، وإمّا على كونه مفعولا به تعدد ، وذلك أن الأفعال النواسخ ، إذا دخلت على مبتدأ وخبر ، كان الخبران على حالهما ، فكما يجوز تعدد الخبر مطلقا ، أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصريحين ، كذلك في المنسوخين ، تقول : زيد كاتب شاعر فقيه ، ثم تقول ظننت زيدا كاتبا شاعرا فقيها . فتقول : « زيدا » مفعول أول ، « كاتبا » مفعول ثان ، « شاعرا » مفعول ثالث ، « فقيها » مفعول رابع ، كما تقول : خبر ثان وثالث ورابع ، ولا يلزم من هذا أن يتعدى الفعل لثلاثة ولا أربعة ، لأن ذلك بالنسبة إلى تعدد الألفاظ ، فليس هذا كقولك : « أعلمت زيدا عمرا فاضلا » ، إذ المفعول الثالث هناك ليس متكررا لشيء واحد ، وإنما بينت هذا ، لأن بعض الناس وهم في فهمه . وقد ظهر لك مما تقدم أن قوله : « ضَيِّقاً حَرَجاً » ليس فيه تكرار . وقال مكي : ومعنى « حرج » - يعني بالكسر - كمعنى « ضيّق » كرّر لاختلاف لفظه للتأكيد » . قلت : إنما يكون للتأكيد حيث لم يظهر بينهما فارق ، فتقول : كرّر لاختلاف اللفظ ، كقوله : صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ « 2 » : 2065 - . . . * وألفي قولها كذبا ومينا « 3 » 2066 - . . . * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 4 » وأما هنا فقد تقدم الفرق بينهما بالعموم والخصوص ، أو غير ذلك . وقال أبو البقاء : وقيل : هو جمع « حرجة » ، مثل : « قصبة وقصب » ، والهاء فيه للمبالغة » . ولا أدري كيف توهم كون هذه الهاء الدالة على الوحدة

--> ( 1 ) انظر البحر 4 / 218 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 157 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم .